حازم العلي
دائم القراءة منشغلاً بالمطالعة تحسه وكإن طعامه (ورق الطباعة) وفاكهته حروفها وأحبارها.
يؤرشف للجميع مجاناً يعيش مختبئاً بين رفوف المكتبة العتيقة كي يتلذذ بسيجارته الممنوعة ، على منضدته الجميلة أكثر من فنجان قهوة وإبريق شاي (الحمد لله لايوجد بجانبه قنديل سكر) لأنه من الممنوعات عليه .
لم يمنعه مرضه من كتابة الشعر وعندما يسرح مع جمال القصيدة ينسى حتى علاجه الدوري..
عندما فتح الطبيب الإختصاصي صدره وجد في قلبه محبة الجميع وطلب منه أن يرحمه عندما يرى مكتوبا على بطينه والأذين أسماء حبيباته .
يريد أن يجعل شكله كبلند الحيدري (شامخ) وتسريحته .
لم يكترث بتوجيهات طبيبه التي قادته الى سرير المستشفيات وتحت رحمة الاطباء في البصرة والنجف وأربيل .
على الرغم من هذا الألم لن ينس أصدقاءه فقد انشأ له مجموعة (الياسمين) الخاصة به . يتواصل مع جميع الاصدقاء الأصحاء ويتفقدهم أكثر مما يسألون عنه .
في بيته الجديد لم يفكر بشئ سوى أن يحجز طابقاً كاملاً لمكتبته المتكاملة الورقية والموسيقية والفنية وقد أجبر المهندس المعمار على عمل مصعد كهربائي ليسهل عليه عملية الصعود والإختباء في مكتبته .
يتمنى ان يصعدالأصدقاء كلهم إليها ويتلذذ بان يشرح لهم ماتحتويه رفوفها فقد صنفها بطريقته الخاصة ..
على منضدته يتربع الحاسوب الخاص به والذي يحتوي على كل ماإستطاع أرشفته ..
وفي أحد المخابئ تجد (الهاردات) بمختلف السعات وقد إحتوت على إرشيف الصحف من العدد صفر الى أن توقفت .
يعرض للزائرين اللوحات الفنية التي رسمها اشهر الرسامين ودفتر الذكريات (سجلاً كبيراً ) دونت به كلمات الأدباء الكبار ورجال الفن والثقافة .
منظر مؤلم عندما يجلس ينضد مؤلفات الأصدقاء وهو يرفع رجليه فوق طاولة صغيرة وقد غطاها بقطعة قماش يظنها تجلب لها الحماية والشفاء ، لم يعتذر عن تقديم الخدمة لأي شخص يتصل به من أجل طباعة مؤلف أو منجز جديد .
الحديث معه لايمل لما يحمل من ذاكرة شفاهية تحفظ مذكرات ومعلومات أشخاص قد نحتاج لسرقة قسم من المعلومات عنهم .
يعرض أمام الزائرين المخطوطات التي خطتها أنامل السياب المرتعشة مع نغمات الحروف وموسيقى الشعر .. لن يتردد بعرض وثائق شخصية او صور توثق مرحلة من لأشخاص كنا نحتاج لنعرف ولو الجزء اليسير عنهم.
بين الفينة والأخرى نسمع بأن إصبع أحد أقدامه قد تورم أو تيبس أو أرتدى اللون الأسود ، فكان لابد من النصح بمراجعة الطبيب ، يقشط قسماً من الدم المتيبس وماتضرر من إظفر الإبهام.. قسطرة اخرى لكلتا القدمين مستمرة ولعدة مرات قبل أن ينتقل المرض إلى القدم الأخرى .. طائرته تحط في مطار أربيل ليُبتر جزء من إصبعه الأيسر وقشط جزءٍ من إصبعه الأيمن .
تتوالى عمليات القسطرة من أجل إصلاح ماتبقى من ضرر القدمين.
مشرط الطبيب يقابله ديوان شعر .. لن يفارق الكتابة من فوق سرير المرض .. لن ينسى كل الأصدقاء وهو بجانب الطبيب..
مع قياس ضغط الدم يتذكر بأنه لم بتصل بصديقه منذ ثلاثة أيام مضت .
يعود لبيته مضمد القدمين تساعده عكازة بلاستيكية على الحركة التي يمسكها في يمينه وتمسك حفيدته بيده الأخرى كي توصله الى غرفة الإستقبال لوصول الضيوف .
رغم الألم الذي هو فيه يفرح بالقادمين ويستأنس الجميع بأحاديثه ودائماً مايعاكسه القريبون منه عن (زهرة) كما يسميها في قصائده فأين أنت الآن يازهرة الأشواق لكي تضمدي جراح الشاعر المتيم الذي كتب كل قصائده إليك ضرباً من الخيال .
يطلب من الحاضرين التأخر قليلاً بالجلوس معه بحجة إنه لايستطيع شرب الشاي والقهوة ريثما يبرد .
عذر مكشوف القصد منه إطالة الجلسة ووقت الزيارة.
يستدعي حفيدته لإلتقاط صور تذكارية وعبارته المأثورة(ستة آلاف صورة) ويقول بأنها تدخل للأرشفة لمجرد الصعود الى صومعته لتفقد اركان مملكته .
يمتع الضيوف بإلقاء القصائد ولن يتوقف إلا بدخول صينية الحلويات الى المجلس ولأنه متمرد يحاول أن يمد يده عليها لولا شراسة أحد الاصدقاء بمنعه منها.
لو التزم بتوصيات الطبيب قبل عشر سنوات لما وصل الى ماهو عليه الان .
الضماد المبلل بالمرهم يلف إصبعيه في كلتا القديمين وهذا كله لم يمنعه من ممارسة جمع وتنضيد مجاميع متكاملة من الكتب والقصائد.
فهل عرفتموه ؟
انه الاديب المتمرد (قاسم محمد علي ).

